إلى كل من وفقه الله لإدراك عشر ذي الحجة

الحمد لله الذي يوفِّق من يَشاء من عباده لاغتِنام لحظات حياته فيما يقرِّبه إلى ربِّه وباريه، والصَّلاة والسلام على خيرِ مَن كان راغبًا إلى ربِّه في كل لحظات حياته ودقائق عمره.
 
أما بعد:
فإنَّ الإنسان في هذه الدُّنيا كالمُسافر الغريب، الذي يَنْزل ببلدٍ، فسرعان ما يرتحل منها، عائدًا إلى مستقَرِّ وطنه وبلده، الذي تربَّى ونشأ فيه، ولا يدري هل يصل إليه أوْ لا يصل، فتَجِده في سفَرِه هذا أعدَّ العُدَّة وتأهَّب إليه، وتزوَّد لأجل مواجهة نوائب الطَّريق، فإذا كان الإنسان في سفَرِه مستعِدًّا، فالأحرى به أن يستعدَّ للرحيل من هذه الدُّنيا إلى دارٍ خُلِقنا لها؛ من أجل أن يميِّز الله الطيِّبَ من الخبيث، والتقيَّ من العاصي، والشقيَّ من السعيد؛ فعن عبدالله بن عُمر - رضي الله عنهما - قال: أخذَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بمنكبي، فقال: ((كن في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل))، وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"؛ رواه البخاري.
 
ومن غنائم الحياة التي تكون عونًا للإنسان على التزوُّد من هذه الدُّنيا بما يقرِّب إلى مرضاته، وتحقيق الفوز الكبير برضا الله وجنَّتِه، وفي قادم الأيام إنْ كتب الله لنا عمرًا وبقيَّة: سنُدرك عَشرًا مباركات، هي عَشْرُ ذي الحجَّة، انتظرناها بشوق، ولكن ينبغي علينا أن نَعْلم أنَّ أناسًا كانوا معنا في الأيام الماضية هم الآن تحت الأرض في قبورهم، دعواتنا لهم بواسع الرَّحمات من الرحمن الرحيم؛ فهم كانوا معنا، لا أقول في عامٍ مضى، بل كانوا معنا في أيامٍ مضَتْ، أمَلُهم أن يُدركوا هذه الأيَّام، وبعضهم اشترى أضحيتَه، ولكن هي الحقيقة التي غفل عنها الكثيرُ في ظلِّ مغريات الدُّنيا، وأهوال تقنيتها، وتقدُّم عصرها؛ مما جعل دقائقها ولحظاتها تمرُّ علينا كالبَرْق، وترى الواحد منَّا ينتظر راتبه آخِرَ شهره، ولم يتفكَّر في أنَّها أيامٌ تمرُّ من عمره الذي سيَفْنَى، وسيُسأل عنه، فما أجمل اللَّحظات التي نفكِّر فيها في حال هذه الدنيا!
 
ولنا في السابقون عظةٌ وعبرة، فلاَحُ الإنسان فيها، ورِبْحه في اغتنامِها فيما يُرضي الله، والتزوُّد بخير العمل الصالح الخالص لله وحده، المقتفي أثر رسوله الكريم محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال تعالى: ? وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ? [النساء: 57].
 
لذا؛ ينبغي على العبد أن يَغتنم ما سيُظِلُّنا في قادم الأيام، وهي العشر من ذي الحجَّة من العام 1432 هـ، سائلاً الموفِّق أن يوفِّقنا لأن نفوز برضاه فيها، والفوز بِفَضلها وخيرها؛ لكي نَرْبح بطاقةَ الفوز بجنَّةٍ عرضُها السَّموات والأرض، أُعِدَّت للمتقين، ولن نبلغ هذا المنالَ إلا بالصِّدق مع الله؛ بِمُجاهدة النَّفس بإخلاص العمل لوجه الكريم، وطلب العون والتَّوفيق لمن بيده مفاتيحُ التَّوفيق والهداية، والعمل الصَّالح، المُوافِق لكتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذه الأعمال لن تُنال إلاَّ بِمُجاهدة النَّفس عن هواها، وبالصبر دون جزعٍ أو سخط، وسيُثاب فاعِلُها بثواب الله له بجنَّته؛ قال تعالى: ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ? [آل عمران: 142].
 
وهذه الأيام الخَيِّرة والمُباركة تتعدَّد فضائلُها ومميِّزاتُها؛ لأنَّها تجتمع فيها أعمالٌ صالحة متعدِّدة، قال الحافظُ ابن حجَر في "فتح الباري": "والَّذي يَظْهَر أنَّ السبب في امتياز عشر ذي الحجَّة لمكان اجتماع أمَّهات العبادة فيه، وهي الصَّلاة والصِّيام والصدقة والحجُّ، ولا يتأتَّى ذلك في غيره"، ومِمَّا تميَّزت به هذه العَشْر أنْ ورَدَ ذِكْرُها في كتاب الله العزيز؛ فقد أقسمَ الله تعالى بها؛ قال تعالى: ? وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ? [الفجر: 1 - 2].
 
قال ابن كثيرٍ في "تفسيره":
"واللَّيالي العشر المُراد بها عشر ذي الحجَّة، وهو قول ابن عبَّاس وابن الزُّبير ومُجاهد، وغير واحد من السَّلَف"، وقال السيوطيُّ في "تفسير الجلالين": "وليالٍ عشر: أيْ عشر ذي الحجَّة".
 
وقال الشوكانيُّ في "فتح القدير": وليالٍ عشر: عشر ذي الحجَّة، وقال: وبِها قال جمهور المفسِّرين".
 
قال السعديُّ:
"وهي على الصحيح: ليالي عشر رمضان، أو عَشْر ذي الحجَّة؛ فإنَّها ليالٍ مشتملةٌ على أيَّام فاضلة، ويقع فيها من العبادات والقربات، ما لا يَقع في غيرها، وفي ليالي عشرِ رمضان ليلةُ القدر، التي هي خيرٌ من ألف شهر، وفي نَهارها صيامُ آخر رمضان الَّذي هو أحدُ أركان الإسلام العِظام، وفي أيام عشر ذي الحجَّة الوقوفُ بعرَفة، الذي يَغفر الله فيه لعباده مغفرةً، يحزن لها الشَّيطان؛ فإنَّه ما رُئي الشيطانُ أحقرَ ولا أدحر منه في يوم عرفة؛ لما يرى مِن تنَزُّل الأملاك والرَّحمة من الله على عباده، ويقَع فيها كثيرٌ من أفعال الحجِّ والعمرة، وهذه أشياء مُعظَّمة، مستحِقَّة أن يُقسم الله بها"، وفي هذا دلالةٌ واضحة على فضل عشر ذي الحجَّة، وشرف العمل الصالح فيها.
 
فعن جابرٍ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أفضل أيَّام الدُّنيا أيامُ العشر))؛ يعني عشْرَ ذي الحجَّة، قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل الله؟ قال: ((ولا مثلهن في سبيل الله، إلاَّ رجل عفر وجهَه بالتُّراب)(؛ رواه البزَّار وابن حبَّان، وصحَّحه الألباني.
 
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام))؛ يعني أيام العشر، قالوا: يا رسولَ الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجِهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرَج بنفسه ومالِه، ثم لم يَرجع من ذلك بشيء))؛ رواه البخاري.
 
وإذا عَلِم الإنسانُ مِقدارَ هذا الفضل العظيم، والأجور المضاعَفة في هذه الأيَّام التي هي أفضل الأيَّام، تكون الأعمالُ الصَّالحة أحبَّ إلى الله من هذه الأيام العشر، لزم عليه أن يَعرف ما يتوجَّب عليه فعلُه في هذه الأيام؛ حتَّى يَنال أحبَّ الأعمال الصالحة التي يحبُّها الله، وتجعل فاعِلَها في أعلى منازل الجنَّة.
 
ومن تِلك الأعمال الصَّالحة التي يحبُّها الله في هذه العشر:
1 - الحج المبرور:
قال تعالى: ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ? [آل عمران: 97].
 
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سُئِل النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله))، قيل: ثُم ماذا؟ قال: ((جهاد في سبيل الله)) قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور))؛ رواه البخاري.
 
وهما أفضل ما يُعمل في عشر ذي الحجَّة، ومن يسَّرَ الله له حجَّ بيتِه، أو أداءَ العمرة على الوجه المطلوب، فجَزاؤه الجنَّة؛ فعن أبي هُريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّة))؛ رواه البخاري.
 
وعن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((من حجَّ لله، فلم يَرْفث ولم يَفْسق، رجع كيوم ولدَتْه أمُّه))؛ رواه البخاري.
 
والحجُّ المبرور هو الحجُّ المقبول، الموافِقُ لِهَدْي أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السَّلام - واتِّباعًا لسنَّة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أن يكون خالصًا لله، لا يعتريه رياءٌ أو رفَث أو فُسوق، أو ارتكابُ ذنبٍ يَحْرِم صاحبَه الجزاء والفوزَ بهذا الثواب العظيم.
 
2 - وجُعِلت قرَّة عيني في الصلاة:
وهي من أجَلِّ الأعمال وأعظمِها، وأكثَرِها فضلاً، والمُحافظة عليها في وقتها صلاحٌ للإنسان في أحوالها كلِّها، وفلاحٌ له للفوز بدار المقامة. موعد مباراة السعودية والامارات موعد مباراة مصر وأوغندا صور لبيك اللهم لبيك صور الله اكبر صور عيد الاضحى صور تكبيرات العيد دعاء يوم عرفة صور خروف العيد
 
قال تعالى: ? حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ? [البقرة: 238].
 
وقال تعالى: ? قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ? [إبراهيم: 31]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أرأيتُم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم، يغتسل فيه كلَّ يوم خمس مرَّات، هل يبقى من درَنِه شيء؟)) قالوا: لا يَبقى من درنه شيء، قال: ((فذلك مثل الصَّلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا))؛ متَّفق عليه.